ملا محمد مهدي النراقي

163

جامع السعادات

ثم من الناس من ذهب إلى أنه لا إثم على الحسد ما لم تظهر آثاره على الجوارح ، وعلى هذا ينحصر الحسد المحرم في القسم الأول . واحتج على ما ذهب إليه بما ذكرناه من قوله ( ص ) : " ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن : الحسد . . . " . ، وبقوله ( ص ) : " ثلاث في المؤمن له منهن مخرج ، ومخرجه من الحسد ألا يبغي " والصحيح أن تحمل أمثال هذه الأخبار على القسم الثالث . وهو ما يكون فيه ارتياح النفس بزوال النعمة طبعا ، مع كراهة له من جهة العقل والدين ، حتى تكون هذه الكراهة في مقابلة حب الطبع . إذ أخبار ذم الحسد تدل بظاهرها على أن كل حاسد آثم ، والحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال الظاهرة . وعلى هذا المذهب ، لا يكون إثم على صفة القلب ، بل إنما يكون على مجرد الأفعال الظاهرة على الجوارح . فقد اتضح بما ذكر ، إن الأحوال المتصورة لكل أحد بالنسبة إلى أعدائه ثلاثة : الأولى : أن يحب مساءتهم ، ويظهر الفرح بمساءتهم بلسانه وجوارحه أو يظهر ما يؤذيهم قولا أو فعلا ، وهذا محظور محرم قطعا ، وصاحبه عاص آثم جزما . الثانية : أن يحب مساءتهم طبعا ، ولكن يكره حبه لذلك بعقله ، ويمقت نفسه عليه ، ولو كانت له حيلة في إزالة ذلك الميل لأزاله . وهذا معفو عنه وفاقا ، وفاعله غير آثم إجماعا . الثالثة : وهي ما بين الأوليين : أن يحسد بالقلب من غير مقته لنفسه على حسده ، ومن غير إنكار منه على قلبه ، ولكن يحفظ جوارحه عن صدور آثار الحسد عنها ، وهذا محل الخلاف . وقد عرفت ما هو الحق فيه . وصل النصيحة قد عرفت أن ضد الحقد والحسد ( النصيحة ) ، وهي إرادة بقاء نعمة الله للمسلمين ، وكراهة وصول الشر إليهم . وقد تطلق في الأخبار على إرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم وغبطتهم ، وهو لازم للمعنى الأول . فينبغي أن نشير إلي فوائدها وما ورد في مدحها ، تحريكا للطالبين على المواظبة عليها ليرتفع بها ضدها . إعلم أن من أحب الخير والنعمة للمسلمين كان شريكا في الخير ، بمعنى